ابن عربي

286

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

« سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ » فإن الأولية أفضل للعبد ، والمبادرة إلى أول الأوقات في العبادات هو الأحوط والمطلوب من العباد في حال التكليف ، وأثنى اللّه تعالى على من هذه حالته فقال : ( أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ ) . [ سورة الحديد ( 57 ) : الآيات 22 إلى 25 ] ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ( 22 ) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ( 23 ) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ( 24 ) لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ( 25 ) [ معنى قوله تعالى : « وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ » : ] « وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ » يريد أنه أنزله عن رتبة الكمال المعدني التي هي للذهب ، لأجل ما في الحديد من منافع الناس ، فمنع الحق الحديد من بلوغ رتبة الكمال المعدني التي هي للذهب لمصالح هذا النوع الإنساني ، لعلمه تعالى بأنه يحتاج إلى آلات وأمور لا بد له منها ، فلو ارتفع الحديد إلى رتبة الذهب في العزة لم توجد تلك المنافع ، وبقي الإنسان الذي هو العين المقصودة معطل المنافع المتعلقة بالحديد ، التي لا تكون إلا فيه ، ففيه كما قال اللّه « بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ » « وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ » فإن الاسم العزيز هو الذي توجه على إيجاد المعادن والأحجار النفيسة ، ومن أثر هذا الاسم أن أثر فيها عزة ومنعا ، فلم يقو سلطان الاستحالة التي تحكم في المولدات والأمهات من العناصر يحكم فيها بسرعة